مجد الدين ابن الأثير
458
المختار من مناقب الأخيار
قلت : من عند حكيم « 1 » لا يوجد مثله . فصاحت وقالت : ويحك ، كيف فارقته ، وهو أنيس الغرباء ؟ فأوجع قلبي كلامها ، فبكيت ، فقالت : ممّ بكاؤك ؟ قلت : وقع الدّواء على الدّاء ، فأسرع في نجاحه . قالت : فإن كنت صادقا ، فلم بكيت ؟ قلت : والصادق لا يبكي ؟ قالت : لا ، لأنّ البكاء راحة القلب ، وهذا نقص عند ذوي العقول يا بطّال . قلت : علّميني شيئا ينفعني اللّه به . قالت : ويحك أما أفادك الحكيم من الفوائد ما تستغني به عن طلب الزّوائد ؟ فقلت : إن رأيت أن تعلّميني شيئا فعلت . فقالت : أخدم مولاك شوقا إلى لقائه ؛ فإنّ له يوما يتجلّى فيه لأوليائه ، وإنّه تعالى سقاهم في الدّنيا من محبّته كأسا لا يظمئون بعدها أبدا . ثم أقبلت تبكي ، وتقول : سيّدي ، إلى كم تدعني في دار لا أجد فيها من يساعدني على بلائي ؟ ثم مضت وهي تقول : إذا كان داء العبد حبّ مليكه * فمن دونه يرجو طبيبا مداويا « 2 » ؟ * * * وقال ذو النّون بن إبراهيم : كنت في تيه بني إسرائيل ومعي صاحب لي ، فرأيت امرأة عليها مدرعة من شعر ، وخمار من صوف ، وفي كفّها « 3 » عكّازة من حديد . فقلت : السّلام عليك ورحمة اللّه . فقالت : وعليك السلام ، ما للرّجل « 4 » وخطاب النساء عافاك اللّه ؟ فقلت : أخوك ذو النون . فقالت : مرحبا ، حيّاك اللّه بالسلام . قلت : ما تصنعين هاهنا ؟ قالت : كلّما أتيت إلى بلد يعصى فيه الحبيب ، ضاق عليّ ذلك البلد ، وأنا أطلب بقعة طاهرة أخرّ عليها ساجدة ، أناجيه بقلب ذاب من شدّة الشّوق إلى لقائه .
--> ( 1 ) في ( ب ) من عند حليم . ( 2 ) صفة الصفوة 4 / 427 ، 428 . ( 3 ) في ( ب ) : « بيدها » . ( 4 ) في ( ب ) : « ما للرجال » .